محمد أبو زهرة
1542
زهرة التفاسير
الميثاق بالخطاب ، لتأكيد أخذ الميثاق بإعلان أنهم ما كانوا غائبين عند أخذه ، بل كانوا حاضرين مخاطبين ، فالعهد قد أخذ عليهم بألسنتهم ، وقوله تعالى : وَلا تَكْتُمُونَهُ معطوف على قوله تعالى : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وهنا يسأل سائل : لما ذا أكد قوله تعالى : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ بعدة توكيدات ، بالقسم وبلامه ، وبنون التوكيد الثقيلة ، ولم يؤكد ( وَلا تَكْتُمُونَهُ ) ؟ وذلك لأن طلب البيان مشدد ومؤكد ، وبذلك يتأكد عدم الكتمان بتأكد طلب البيان ، ولو أن أدوات التوكيد لحقت « وَلا تَكْتُمُونَهُ » لأوهم الأسلوب أن المنفى هو الكتمان المؤكد المبالغ ، أما غيره فلا ينفى ، فلو قيل : « ولا تكتمنه » لأوهم الأسلوب أن المراد النهى عن المبالغة في الكتمان ، فغير المبالغة في موضع الإباحة ، وذلك غير معقول ، ومع هذا العهد الموثق لم يبينوا ؛ ولذلك قال سبحانه : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا . النبذ الطرح ، والتعبير بوراء ظهورهم كناية عن أنهم لن يعودوا إلى ما نبذوه ، والكلام تصوير لعملهم في عدم الوفاء بعهد اللّه الذي أخذه عليهم ، إذ إنهم أهملوه ، ولم يفكروا في العودة ، وأهملوه إهمال استخفاف واستهانة ، كما ينبذ الشئ الحقير . والضمير في « نبذوه » على هذا يعود إلى الميثاق ، باعتبار أنه هو موضع الحديث ابتداء ، ويصح أن يعود إلى الكتاب ؛ لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام والكتاب وعاؤها ، فنبذ الكتاب نبذ للعهد ، فهم لم يكتفوا بالامتناع عن البيان لغيرهم ، بل أضافوا إليه إهمال الكتاب إهمالا مطلقا . وإن هذا النبذ للكتاب وتعاليمه ، وللميثاق المؤكد وإعلانه - سببه الهوى الدنيوي ، وحب السلطان والغلب ، والاستطالة على الناس بما عندهم ، والإدلال عليهم بالعلم من غير أن يعملوا به ، ولذلك قال سبحانه : وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي تركوا كتاب اللّه تعالى والعمل به وبشرائعه ، وإعلانه ، في نظير ثمن تافه قليل ، وكل ثمن للإعراض عن كتاب اللّه تعالى والعمل به هو قليل مهما يكبر في نظر التاركين ، ولذا قال سبحانه : فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ أي أنه مذموم قبيح ما يطلبون من أعراض الدنيا في نظير إهمال الشريعة والعهد الموثق .